“وين الطلب ياخي …!!؟”

في أحد شوارع الرياض، وفي ليلةٍ بديعة وأجواء جميلة تفتح النفس (في الرياض..؟؟ إيييه هيـّـن)، قرّرت أنا وصديقي العزيز سليمان أن نمارس الرياضة لكي نَملأ فراغنا في شيءٍ مفيد ونقتل به الطفش. قرّرنا أن نركض حينها، فركضنا حتى هلكنا وبلغ العطش والجوع فينا مبلغه وعندها توجهنا إلى أحد المطاعم لنضرب بِالخمس. (أمزح أكلنا بشوكة وسكّين ترا). طبعاً، شخصان كانا يركضان حتى سَمِعا صوت العصافير تغرّد في كرشتيهما سيكونان في مُنتهى “النفسيّة”. بمعنى آخر، لا تنرفزهما وإلا ستأكلها على رأسك

المهم، دخلنا المطعم وإذ بذاك الرجل يستقبلنا بابتسامة عريضة تكاد أن تشقّ وجهه ويقول “أهلين تفضلوا!!” والله فإن بشاشته واستقباله أسعدا قلبي كثيراً واندهشت من حسن معاملتهم لنا رغم أننا أتينا قبل ساعة فقط من وقت الإغلاق (حسّيت إنّي في سوق أسهم)، فتصوّرنا بأنهم سيكونون أكثر نفسيّةً منّا، ولذلك اندهشت. أجلسوني أنا وسليمان ونحن في قمة الانشكاح. ولكن، ولنفسيّاتنا التي قد انتقلت من أجسادنا ووصلت إلى أخشمنا، لم تدم تلك الانشكاحة طويلاً

لا أخفيكم كان المطعم مكتظّاً وكنّا أنا وسليمان نتبادل أطراف الحديث وكالعادة نتحمّس بعض الشيء. وفجأة وبعد مرور خمسة دقائق من جلوسنا وتبادلنا لأطراف الحديث، استيقظ النفسيّة الذي كان بداخلي واكتشف بأن الرجل البشوش وأعوانه لم يأتوا لأن يأخذوا الطلب، وعندها بدأت النفس تخرج من الخشم شيئاً فشيئاً لتصل إلى الجوارح وكل هذا من الجوع حسبي الله عليه (صِدَق من قال الجوع كافر). فأشرت بِيَدي لأقرب بشوش منهم وسألته “اليوم بتاخذون الطلب إن شاء الله، صح..!!؟” فهزّ برأسه مؤكداً لي بأنه سيأخذ الطلب اليوم (يا شيخ ..!!؟ بالله ..!!؟) وبعدها نادى زميله فأخذ منّا الطلب. ولكن بأي طريقة أخذ الطلب؟؟ أخذ الطلب وهو يخزّنا بنظراتٍ وكأنّي به يقول “يا شين البثارة بس ..!! متى بِيْخَلِص ذا هو و وجهه ..!!؟” ومع ذلك لم أكترث لتصرّفه الأرعن هذا (يعني سَلّكتُ لهُ). وبعد أخذه للطلب (وتسليكي له)، انصرف

حينها، عدت أنا وسليمان نتبادل أطراف الحديث وسرعان ما عادت المياه إلى مجاريها. غرقت أنا وسليمان في محيط “السوالف” فأبحرنا من “سالفةٍ” إلى أخرى ولمدة تجاوزت الثُلث ساعة وعندها استيقظ مجدداً النفسيّة الذي بداخلي ولم يرى شيئاً على الطاولة (لا مُوْيَه ولا عصير ولا خبز ولا شي ..!!؟) فناديت البشوش وقلت له بنبرةٍ أحدّ من سابقتها وقد عقدت العزم بأن لا أُسَلّك لهُ هذه المرّة “وين الطلب ياخي ..!!؟ حتى المُوْيَه ما جبتوها..!!؟ حتى وانت تاخذ الطلب تسدّد لنا نظرات غير محترمة وما لك نفس” فسكت واكتفى بقول “أنا آسف، ما تواخزني .. ما كان أَصْدِي..!!”ـ

لحظتها تلاشت نفسيّة سلطان واستيقظت مشاعره ليقول “والله أنا الآسف مو إنت .. مَعَليش عَلّيت صوتي عليك .. أرجوك أن تعذرني” وبعدها عرّفت بنفسي وسألته عن اسمه وكأنّ هذا السؤال كان مفتاحاً لعواطف قلبه وبَوْح وجدانه. فأجاب بعد تَأَوّه “والله يا سلطان أنا إسمي عبدالإله ومن شان الله ما تواخزني على التأخير .. خلّيها على الله .. الله وكيلك ما إدِرِت نام صار لي إسبوع .. محسوبك من سكان الشام وأهلي وإخواتي كِلُّن هونيك .. عَمْ بحاول اتِّصل فيهون محدا بيرِد .. اسبوع يا سلطان والله ..!! ما سمعت صوت إمّي ..؟؟ وما بعرف إزا كانوا لسّا أحياء والا ماتوا بعد الأصف اللي صار على الشام ..!!” لم أعد أستطيع تحريك أي شيء من جسدي! لم أعد قادراً على الكلام! عيناي لم تفارق تفاصيل وجه عبدالإله الحزينة التي تحكي من الهموم ما تحكي، وتُخفي من الكوارث والأوجاع ما تُخفي. فظللت أطالع فيه حتى اختفى وإذ بالطاولة قد امتلأت بالطعام ولله الحمد. تناولنا الطعام أنا وسليمان ولكن هذه المرة لم نكثر من تبادل أطراف الحديث. فأنا كنت لا أزال أفكر في ما حصل وكنت أحلّل ما دارَ بيني وبين عبدالإله. ولكم ما دار في فكري ووجداني …ـ

الكثير منّا (هذا إذا ما كان كلّ أبونا) – وأنا أوّلكم – يتعامل مع هذه الفئة من الناس وأعني بهذه الفئة: الخادمة، السائق، النادل، البائع، .. (تعرفون من أقصد!!) كأنهم قد أتوا من كوكب آخر ولا ينتمون لِبَني البشر. نعاملهم وكأننا لا نعلم بأن السبب الرئيسي في وجودهم هنا هو لقمة العيش. ويريدون أن يعولوا أسرهم وذويهم في بلدهم الأم (لحظة!! عندهم أهل ؟؟ تصدّق نسيت..!!)ـ

عبدالإله وخادمتكِ وسائقي وغيرهم من الأشخاص الذين يُدفع لهم من أجل خدمتنا هم أناسٌ شريفون (أغلبهم!! بس فيه ناس الشيطان يتبرّى منهم الله الكافي) يعملون بجدٍّ واجتهاد لكي يعودوا إلى ديارهم وقد أغناهم الله من فضله. هم يأتون من أقصى أقاصي العالم فقط ليخدموك ويخدموني. هم أناسٌ فيهم من المشاعر ما فيك، إن لم يكن أكثر بحكم بعدهم عن أهليهم. هم أناسٌ فيهم من الهموم ما يشيب به رأسك وأنت لم تتتجاوز حتى الثلاثين ولكن لا تلاحظها عليهم كعبدالإله الذي لا يعلم ما إذا كان قد فقد أمّه وإخوته أم لا زال للحياة فجرٌ جديد (وأنا و وجهي ذا شايل هَم كرشتي .. الله المستعان)ـ

عبدالإله والسائق والخادمة يحبون الحياة الكريمة كما نحبها نحن ويستحقونها كما نستحقها نحن، فلا نحرمهم تلك الحياة ولنرحمهم عسى أن يكون بينهم عبدٌ صالح يدعوا لنا فيستجيب الله لدعواه

خاطرة

اللهم انصر اخواننا في سوريا وفرّج همّهم وارحم شهداءهم وعظم أجر عبدالإله وعوّضه خيراً يا حيّ يا قيّوم

اللهم عليك ببشار وأعوانه فإنهم لا يعجزونك .. اللهم أرنا فيهم عجائب قدرتك يا ذا الجلال والإكرام

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: