“آخر سالفة..!! والله والله”

في يومٍ رمضاني من أيام صيف الرياض (يعني حمّام ساونا) سألتني والدتي – حفظها الله – أن أقضي حاجةً لها. وكنت في الواقع منهكاً من الصيام والحرّ ولكن عندما تسألني أمي مسألة، فالتعب يتحوّل إلى نشاط لـِ “أنقز” مثل الحصان والحرّ ينقلب نسيماً بارداً في قمة الجمال (الحصان صدّقناه..!! أما الحَرّ والبرد، ذي كثّر منها..!!). في مثل هذه المشاوير، دائماً أحب أن اصطحب معي إخوتي نواف وعبدالله معي وذلك لكي أُنمّي فيهم روح المسؤولية، وتعزيز الثقة بأنفسهم عند مُجالستهم من هو أكبر منهم، وتحسيسهم بقيمتهم الفعلية في خريطة العائلة وأن لهم دورًا فعّالاً في تقضية حوائج البيت. ولا أنسى أيضاً بأنّي أشترط عليهم إحضار كتابٍ معهم لكي يقرأوه على مسامعي فيستفيدون وأستفيد في نفس الوقت

صادَفَت ذلك اليوم أن نواف كان مشغولاً في تقضية حاجة أخرى في المنزل فانتهى بي الأمر أن أصطحب عبدالله لوحده. أحضر عبدالله الكتاب كما اشترطت عليه وركبنا السيارة وبمجرد أن دقّيت السلف (يعني شغّلت السيارة) بدأ عبدالله بالقراءة بصوتٍ مرتفعٍ يملأه الحماس مما جعلني “أخشّ جوّ” مع ما كان يقرأ. وفجأة ومن دون سابق إنذار، توقّف عبدالله عن القراءة والتفت إلي ثم قال “تِذَكّرْت شي..!!” فنظرت إليه مندهشاً ثم قلت “أُمّ المَسْكَه يا شيخ..!!؟” ومن بعدها بدأ عبدالله برواية ما تذكّره (سالفة صارَت له مع أحد أصدقاءه في المدرسة) ولم ينتهِ حتى وصلنا إلى المكان المقصود. وعند انتهاءنا من قضاء حاجة أمي وركوبنا السيارة، سَحَبَ عبدالله على أبو الكتاب الذي أحضره وبدأ بسالفة أخرى وأنا أنظر إليه باستغراب وأقول في ذهني “متى بتخلص السالفة ذي..!!؟”ـ

لاحظت بأن عبدالله (ما شاء الله عليه) يربط السالفة الأولى بالتي تليها بشكلٍ خُرافي إلى درجة أنك تشعر بأن كل “السوالف” منبعها السالفة الأولى. ولكن عند وصولنا للبيت اكتشفت بأنه لم ينته بعد من حكاياته الحياتية وأنا كنت طوال هذه المدة ألعب دور المستمع ولم أنطق إلا بـِ “أمّا عاد..!؟ بالله..!؟ كيف..!؟” وكانت متناثرة في أواسط حكاياته لأشعره بإصغائي له. ذهب عبدالله إلى أمي وهو في قمة الوناسة والبسطة وقد أنهى آخر سالفة له وحينها كنت أفكر في سعادته وأتساءل، “وش سوّيت أنا لعبدالله عشان يستانِس كل هالوناسة..!!؟” فوضعت نفسي مكانه لأعرف السبب

عندما كنت صغيراً، كنت أعشق أخي الأكبر زيد عشقاً لا يضاهيه أحدٌ من العالمين (وترا على فكرة لا زال يزيد عشقي له في كل يوم أعيشه). فكنت دائماً أتحدّث إليه عن كل ما يدور في يومي الدراسي من إنجازات وقصص ومشكلات (بمعنى آخر، بَثِر درجة أولى). كنت أرى فيه القدوة وأستمتع بمجلسه لذلك كنت “أستبثر” عليه سعياً منّي لأن أنال إعجابه. وكان يوم المُنى عندما يقول لنا “يالله يا سلطان وسلمان مشينا..!!؟” كان يسمعنا كثيراً ويصبر علينا طويلاً وكنت دائماً إذا انتهيت من حكايتي يَهمُّ بالمغادرة فأبادره بقول “آخر سالفة..!! والله والله..!!” فبذلك لا يغادر ويستمع لسالفتي التي “أزعم” بأنها ستكون الأخيرة

لم أكن أعي في حياتي بأنّ ما كان يقوم به زيد يُعَدّ من أصعب المهام التي على الكبير القيام بها تجاه الصغير. ولم أكن أعلم بأنّ هذا الأمر يُعتَبَر من أهم الواجبات التربوية التي تترتّب علينا تجاه أخوتنا الصغار. إن مجالستي لعبدالله ونواف ومجالستكم لأخوتكم الصغار تُشبع أُناساً جياعاً لإثبات الذات والشعور بالحب والإحساس بالتقدير والاحترام. إنّ أختكِ الصغيرة عندما تضع المكياج وتلبس أجمل فستانٍ لها وتخرج عليكِ، اعلمي بأنها رأتكِ يوماً مُتزيّنةً وجميلة وأرادت أن تُريكِ جمالها لأنّكِ قدوتها ولأنّ رأيكِ فيها يهمّها إلى حدٍّ لن تتخيّليه أبداً. أنتِ مقصدها الأول والأسمى. وأيضاً عندما يسألكَ أخوكَ أن تخرج معه فلا تَزْجُره لأنك كنت مكانه يوماً ما، وتعلم بأنك تعني كل شيء بالنسبة له

هم سيكبرون في يومٍ ما، والأيام ما عادت بطيئة في مُضيّها فهي تمضي بسرعة (ما تغمّض عينك وتفتحها إلا وهم كبار) وسيذكرون بالتفصيل كيف كانت معاملتنا معهم. هل كنّا نُعطيهم من أوقاتنا أم كانوا مُهمّشين؟؟ هل كنّا نَعُدّهم من أولوياتنا أم كانوا ثانويين؟؟ هل كنّا نستمع إليهم أَمْ كانت جدران البيت تسمع؟؟ هل كنّا فعلاً نحبهم ونهتم لأمرهم؟؟ هل وهل وهل ..؟؟ كثيرةٌ هي التساؤلات التي تتبادر إلى أذهانهم عندما يكبرون. وأرجوكم، لا نُلقِ اللوم عليهم حين يتوصلون إلى إجاباتٍ لا تعجبنا ولكن لِنُلقيه على أنفسنا فتعاملنا معهم هو ما أجاب على تلك التساؤلات وليسوا هم

نحن قدوتهم، فلنُعاملهم كما نوّد أن يُعاملونا عندما يكبرون

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: