نور الظلام

أَصَرَّ عابدٌ أفنى ٥٠٠ عام في عبادة الله وحده أن يَدخُل الجنة بعبادته رغم أن الله كان يريد أن يُدخله الجنة برحمته التي وسعت كل شيءٍ { سبحانه }. ولكنّ العابد لم يأبه لإرادة الله وظلّ مُصرًّا، فشاء الله أن يُريه سوء عمله فأمر الملائكة أن يضعوا أجر ٥٠٠ عامٍ من العبادة لذلك العابد في كفّة، ورحمة الله بعبادِه أن أعطاهم “نعمة البصر” في كفّة أخرى. فرجحت كفّة “نعمة البصر” على عبادة ٥٠٠ عام. تخيّل أن تفني ١٠ سنوات كاملة من حياتك وكل ما تفعله هو عبادة الله عز وجلّ وتتقرّب له ولا تفعل شيء في يومك سوا الصلاة، الأكل، والنوم. ماذا ستظنّ في نفسك؟ أنا سأظنّ بأني أتقى من في الأرض. فما بالك برجلٍ قضى ٥٠٠ عام وهو يصلي، يأكل، وينام. ومع ذلك، نعمة البصر رَجَحت. اللهم لك الحمد على نعمك التي لا تبور

الله لا يهينك، أغمض عينيك لعشر ثوانٍ فقط وأنت بين أحبابك وأصحابك، ستسمع لما يقولون ولكن لن ترى إلا ظلاماً دامساً، لحظتها ستعلم بأن الحياة بلونٍ واحد لا طعم لها. ستعلم أن من فقد نعمة البصر يعلم بأن السماء زرقاء ولا يعرف ما هو اللون الأزرق. يعلم بأن الورود جميلة ولا يعرف ما شكلها. يعلم بأن القمر يسحر الناس بِحُسنه ولكن لا يسحره لأنه لا يعي حسنه. ولكن هل يعني ذلك بأن من فَقَدَ ألوان الحياة قد خسر معناها؟ جواب هذا السؤال يكمن في عرض حياة من فَقَدَ ألوانها

الشيخ عبدالعزيز بن باز رحمه الله فَقَدَ ألوان حياته وهو لم يتجاوز السابعة عشر من عمره ولكنَّه لم يخسر معنى حياته لكي يصبح من أجلّ العلماء في وقته ومن أزهد خلق الله في عصره ومرجعاً لكافة المسلمين

المخترع مهنّد أبوديّة فَقَدَ ألوان حياته بعد أن عاش عمراً طويلاً وهو مستمتعٌ بها ومتعوّدٌ عليها ولكنّه لم يخسر ما هو أهم ألا وهو معنى حياته ورسالته ليصير من أكبر المخترعين في السعودية إن لم يكن في العالم العربي أجمع. المخترع النبيل مهنّد، ومن المصادفات التي تصعق، اخترع اختراعين كانا مخصصين للمكفوفين قبل أن يصاب بالعمى بشهرين فقط

والنماذج كثيرة ولا يمكن حصرها. فإبن باز رحمه الله وأبوديّة وغيرهما قد أبصروا النور في جُنح الظلام. قد امتلكوا ما لا يمتلكه الكثير مِن مَن يُبصر ألوان الحياة. هم فعلاً فقدوا البصر، ولكنّهم يمتلكون البصيرة، ألا وهي نور الظلام. فقد قال الله تعالى “إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور” فإن كان الله قد أنعم علينا بنعمة البصر لنرى ألوان الحياة فلنمتّع أبصارنا فيما يُحيي بصيرتنا ويزرع فينا معنىً لحياتنا

ومضة

فراس بقنة، نموذج مثالي للشاب السعودي، عرض في برنامجه الرمضاني على يوتيوب “يومك معي” حلقةً بعنوان أعمى. فراس عاش تجربتهم المُرّة ليصل إلى هذه العبارة “الأعمى الحقيقي … مو شخص فقد بصره. الأعمى الحقيقي … هو شخص فقد بصيرته” أترككم مع مبدعنا فراس ويومه كأعمى

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: