الحَمَّالي الحكيم

في ليلة التاسع والعشرين من رمضان، كنت في قمة ارتباكي وذلك لأني كنت قد ودّعت أهلي وأحبابي ذاهباً إلى أمريكا لأستكمل دراستي. وأنتم تعلمون جيداً كم هي مُتعبة تلك الليلة التي تصادف رحلتك! أفطرت مع أهلي وبعدها تفرّغت لتجهيز أغراضي للسفر. الطائرة أقلعت من الرياض إلى جدة في تمام الساعة الواحدة وعند وصولي إلى جدة كان قد بلغ مني الإرهاق مبلغه. لم يكن عندي مُتسعٌ من الوقت لآكل أو أشرب فذهبت مسرعاً لأُنهي إجراءات سفري. كان الطابور طويلاً والمطار مُزدحماً وكأن الرحلات كانت تُوَزّع بِبلاش. وكنت في قمة الجوع والعطش فوقتها أكملت ٨ ساعات منذ وقت الإفطار

عندها رأيت شخصاً واقفاً بجانبي كان يعمل في مطار جدة بمهنة “حمّالي”، يعني يأخذ أمتعتك ويضعها في عربة ويدور وراءك وينتهي دوره بمجرد انتهائك من الأمتعة. نظرت إليه وابتسمت فنظر إليّ وابتسم. فبَادَرته وقلت “محمّد، بكم المويه هناك؟” وكانت سَبّابتي تشير إلى المحلّ. فأجاب “٥ ريال!!” فقلت له “مُمكن تجيب لي وحده لو سمحت؟؟” وأعطيته عشرة ريالات وكنت عزمت بأن أترك له الباقي إكراماً له ولما قام به من مساعدة لأخيه المسلم ولا أخفيكم سراً، دارت في ذهني حالته المادية المتواضعة وبُعده عن أهله لطِيب المعيشة، فآثرت إلا أن أعطيه الباقي كلّه. أتى “الحمّالي” ومعه الماء في يده اليمنى وكان يمسك الباقي في نفس اليد فأعطاني الماء وقد لفّ القارورة بِباقي المبلغ مُلمِحاً إلى عدم أخذ الباقي فقلت له “محمّد، خذ الباقي .. هذا عشانك ساعدتني .. شكراً!!”ـ

أعرف! أعرف! كلكم ظننتم أنه أخذ الباقي ورحل! ولكن هذا الحمّالي صعقني كما سيصعقكم الآن حينما قال لي بعد ما عرضت عليه الباقي “محمّد، أنا ساعدتك مو عشان فلوس! أنا ساعدتك عشان أنا أحب أساعد الإنسان! أنا إذا ساعدتك وساعدت الشيبة وساعدت المسكين، ربي يساعدني وأنا بعدين حياتي تكون حلوة إن شاء الله!!” وكانت عيناه تنظران إلى الأعلى وكأن هناك شمسٌ قد أشرقت لا تراها إلا عيناه لتشقّ ظُلمة سماء الليل

هو “موسى إبراهيم” ذلك الحمّالي الحكيم الذي قدم من سيريلانكا منذ عامين إلى أطهر بقعة على وجه الأرض لحاجته الماسّة للمال ولسوء حالته المعيشية في وطنه، لم يفقد الحمّالي الحكيم المعنى الحقيقي للحياة ألا وهو السعادة، ولم يخفى على ذلك الحكيم المفتاح الوحيد لتلك السعادة ألا وهو مساعدة الغير ومَدّ يد العون لكل محتاج بلا أذىً ولا مِنّة ولا انتظارٍ للجزاء. قد يكون موسى محتاجاً لذلك الباقي أكثر من احتياج أي واحدٍ منا له، ومع ذلك أَبَت نفسه العزيزة أن تأخذ مقابلاً لأمرٍ فعلته فقط لكي تَسْعَد. فنفس موسى غير مُعظم النفوس، نفس موسى عرفت بأن قيمة الإنسان ليست في كم من المال يملك أو أي منصبٍ يشغل، قيمة الإنسان تكمن في مدى تأثيره بمحيطه وقيمة الإنسان تتجلّى في سعادة قلبه وإسعاد قلوب من حوله. وقد قال عليه الصلاة والسلام: “أحب الناس إلى الله تعالى أنفعهم للناس وأحب الأعمال إلى الله عز وجل سرور يدخله على مسلم”ـ

نحتاج إلى موسى إبراهيم في كل مسجد، في كل بيت، في كل مدرسة، في كل شارع، في كل شيء. نحتاج بأن نؤمن جميعاً بأن علينا أن نُساعد لِنَسْعَد

رأي واحد حول “الحَمَّالي الحكيم

اضافة لك

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: