الوَالِدُ و الرَّسُولْ

أبي، أنا أحبك

يستقبل عبدالله أباه كل يومٍ بهذه العبارة، ويُقبّل رأسَه ويداه ثم يتوجه إلى المدرسة وقلبه يرقص فرحاً. يرقص قلبُه فرحاً لِما رَزقه الله من والدٍ في غاية الحكمة والحب. فَوالدُ عبدالله كان شديد الحرص على تعليم ابنه منذ صِغره كلُّ أمرٍ حميد وتحذيره من كل خُلُقٍ ذميم وكان دائم التوجيه لابنه ولم يَمَلّ يوماً من تقويم ابنه كل ما أخطأ مُتسلّحاً بالصبر. فذلك الحب الأبوي الصادق وتلك الرعاية الحانية زرعتا في عبدالله فخراً بِكونه ابناً لذلك الوالد العظيم وغَرَستا عِشقاً في قلبه لِأبيه لا يمكن أن يموت

في المدرسة، لم يكن فخرُ عبدالله بأبيه سِرّاً، ولم يكن عشقه لِوالده أمراً خَبّأه عن الناس؛ بل كانا العلامتان البارزتان في شخصيته. وكان الطلاب مُنزعجين من تلك العلاقة الوطيدة الأشبه بِمحض الخيال. كانوا أقرانه يحلمون بعلاقةٍ مع أبائهم كتلك التي مع أبي عبدالله، مِمّا دفعهم إلى كُره عبدالله لينتهي الحال بِه وحيداً بلا أصحابٍ ولا خِلّان

بدؤوا بالتآمر فيما بينهم على إفساد تلك العلاقة، وعرفوا فيما بعد، أن نقطة ضعف عبدالله هي أبوه؛ فَإن أرادوا إغضابه، استهزؤوا بِأبيه وأساؤوا إليه. مستحيلٌ أن يمرّ يومٌ على عبدالله بلا تقليلٍ، أو تجريحٍ، أو استهزاءٍ بوالده. باختصار، أصبحت المدرسةُ لِعبدالله “كابوسُ يَقَظة”ـ

كُلّما عاد عبدالله من كابوسه وبدأ، وبِحُرقة، سَكْبَ همومه على أبيه، بادَرَهُ أبوه بِصوت الحكيم الهادئ لِيقول: “يا بُنيّ، اصبر ولا تغضب! فإن غَضِبتَ فقد أشبعت رغبتهم، وإن صبرتَ فقد أحرقت قلوبهم! اصبر يا بنيّ فإنّ الله يُحبّ الصابرين”ـ

مع مرور الأيام، كَبُر عبدالله وكَبُر معه هَمُّه وزاد كابوسه سوءاً. ولم تَعُد عبارات “الصبر” التي يقولها أبوه تشفي غليله ولا تكفيه ليُطفئ بها جام غضبه. وعندها، قرّر عبدالله أن يردّ إساءة المُستهزئين بالإساءة، ضارباً بالصبر وبتعاليم أبيه عرض الحائط. فَأضحى عبدالله، ذاك الشاب الهادئ الصبور الذي يُضرب فيه المثل في سَمْته وحِكمته، شاباً طائشاً همجيّاً يقول بلا تفكير ويعمل بلا تدبير، واقعاً في الفخّ الذي وضعه له أقرانُه. وهكذا، فقد خسِر عبدالله تلك العلاقة الحميميّة بينه وبين أباه لِعدم امتثاله لِطلب أبيه له بالصبر وعدم الغضب، وحقّق ما كان يصبو إليه أقرانه عندما استغلّوا عاطفته وعشقه الصادق لأبيه ليُظهروا وجهاً مُشوَّهاً لِما تربّى عليه عبدالله

تلك العلاقة التي تجمع عبدالله بِأبيه هي صورةٌ مُجحِفةٌ لعلاقة الحب والطَّوع التي تربط كل مسلمٍ بحبيبه ومُعلّمه وقدوته الأول محمد بن عبدالله عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم. بالنسبة لنا كمسلمين، رسولنا هو كل شيء؛ هو حياتنا، هو روحنا، هو عقلنا، هو قلبنا، هو نقطة ضعفنا التي لا نسمح لأحدٍ، كائناً من كان، أن يُسيء إليه؛ ولكن…ـ

أَلَمْ يدعو حبيبنا عليه الصلاة والسلام لِأحد العُمَرين بالهداية رغم ظلمهما وكرهِهما وإساءتهما الشديدة له؟ ألم يَزُرْ قدوتنا عليه الصلاة والسلام جارَه اليهودي عند مرضه رغم ما قام به اليهودي من رميٍ للنفايات على بيت الرسول ودسّه للسم في طعام حبيبنا؟ ألم يقل سيدنا صلّى الله عليه وسلم “بل أرجو أن يُخرِج الله من أصلابهم مَن يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً” عندما رَموه أهل الطائف بالحجارة حتى امتلأت قدماه دماً فأتاه مَلَك الجبال وسأله “إن شئت أن أُطبق عليهم الأخشبين؟” والأخشبين هما جبلان في مكة. ألم ينصَحُنا مُعلّمنا المصطفى عليه الصلاة والسلام عندما قال “ما دَخَل الرفق في شيءٍ إلا زانه، وما نُزِع من شيءٍ إلا شانه”؟

إنه لَمِن المعلوم لدى الجميع أننا مُقصّرون في حق رسولنا عليه الصلاة والسلام. تركنا هَدْيَه ورُحنا نأخذ بآراء الرجال؛ نسينا أحاديثه وتعاليمه وانشغلنا بِأمورٍ زائفةٍ دُنيويّةٍ لا طائل منها. اعتقدنا، وبسبب جهلنا الذي كانت تقوده عاطفتنا، أنه عليه الصلاة والسلام سيفرح بقتلنا للأبرياء المُسالمين كلما أساؤوا إليه. نحن كلنا، وبلا شك، نُحب رسولنا عليه الصلاة والسلام، ولكن إن كنا فعلاً نحبه فعلينا اتباع سنته والأخذ بهَدْيه وأن نعضّ عليهما بالنواجذ. ولنكن رُسُلاً أخياراً لِرسول الله، ولنُحيي سنته، ولنصبر على ما يصيبنا من أذى؛ فهذه هي طريقته وهذا هو منهاجه مع كل من أساء إليه، صلوات الله وسلامه عليه

ولا ننسى ما أوصانا به نبيُّنا عليه الصلاة والسلام في حديثه المَرويّ عنه عن أبي هُريرة رضي الله عنه عندما قال “ليس الشديد بالصُّرْعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: