الانفِتاحُ المُنغَلِق

“سلطان، سمعت أغنية Lil Wayne الجديدة؟”

“أغنية مين؟”

“Lil Wayne”

“لا والله! مين هذا أصلاً؟”

“أيش؟ أما ما تعرف Lil Wayne؟ صار لك كم سنة في أمريكا وما تعرفه؟ بالله وش قاعد تسوي انت هنا؟”

حوارٌ مُقتضب جمعني بأحد المُبتعثين في مناسبةٍ عامة والذي استجوبني فيها إلى أن تعدّى مرحلة الاستجواب ليصل إلى إدانتي بِتضييع وقتي وانطِوائيّتي وانغلاقي. كل هذا لأني لم أسمع أغنية المدعوّ “واين الصغير” ولم أعرف أصلاً من هو، غنيٌ عن القول بأن تلك الإدانة أقل ما يُقال عنها أنها ساذجة وفي قمة السطحيّة.

عندما صدمني بِردّة فعله الشنيعة وبِسؤاله الغريب “بالله وش قاعد تسوي هنا [أمريكا]؟” اكتفيت بنظرة استغرابٍ فَابتسامة ثم اعتذرت عن الإجابة. لم أعتذر لِعدم امتلاكي إجابةً لِسؤاله هذا؛ بل اعتذرت لأنني لا أمتلك جواباً لِسؤاله الآخر “صار لك كم سنة في أمريكا وما تعرفه؟” فاضطررت إلى البحث عن إجابة ولكن للأسف لم أجدها؛ وإنما وجدت سؤالاً كان مدفوناً في عقلي حتى طال به الأمد: لماذا قَرَن ذلك المُبتعث وجودي في أمريكا بِمعرفة ذلك التافه الذي لم يُقدّم أي شيءٍ ذي قيمة لِحياته ولِمجتمعه؛ بل بالعكس، لم يقدم سوا تشجيع المراهقين على الرذيلة، الكلام البذيء، والتجرّد الكامل من أبسط قِيَمهم؟

للأسف، أضحت الثقافة في أعين البعض (البعض لا تعني الأغلبية) مقصورةً على الأغاني، الأفلام، وأسماء المشاهير. إن كان أحدنا حافظاً لأغنيةٍ ما، فَهو “خُرافي”، ولا يفتأ من ترديدها بأعلى صوته أمام أصدقائه مُتفاخراً بذلك! وآخَرٌ يسبق كل من في الجلسة في كل جديدٍ في عالم الفن والأفلام! ولا داعي من ذكر اهتمام أولئك “المُتفتّحين” وَ “دُعاة التحضّر” في اقتناء آخر الصرعات لِأزياء المشاهير. وما هو أكثر أسفاً، انتشار ذلك مؤخراً ليس فقط بين المُبتعثين والمُبتعثات، بل تفشَّى الوباء وانتشر في بيوتنا وفي عُقر دارنا. ولا يخفى على أحدكم “هياطهم*” في الشوارع التجارية والأسواق وكأنّهم قد ملكوا الدنيا بما فيها. وما يُضحكني ويبكيني في نفس الوقت، هو ذاك الذي يفتخر بحفظه لِمعظم أغانيهم وهو لا يقدر حتى على مُحادثةٍ عابرة بِلُغَتهم (حتى والله أبسط قواعد اللغة ما يعرفها).

بِحُكم تجربتي وواقع مُخالطتي لهذه الطبقة، أستطيع القول بأن أغلبهم لم يقرأ كتاباً غير ذلك الذي قرأهُ (مُجبراً) في أيام دراسته. سألت أحداً منهم، أعتقد بأنه من زُعمائهم، قضى هذا الزعيم في أمريكا خمس سنوات، وكل يوم يجلس في أحد المقاهي من العصر حتى مُنتصف الليل. عندما سألته “قِد فكرت في يوم من الأيام تأخذ كتاب معك وتقرأه في المقهى؟” أقسم لكم بالله، لم يفعل ذلك يوماً واحداً من سنينه الخمس التي قضاها في مُجتمعٍ لا يتوقف أفراده عن القراءة. خمس سنوات! ولا كتاب واحد، ولا حتى صفحة واحدة!

مُنذ متى وقد كان حفظ أغانيهم وأسماء مشاهيرهم تحضّراً؟ مُنذ متى وقد كان اقتناء أزيائهم وتقليدهم الأعمى تفتّحاً؟ منذ متى وقد كان الشخص الذي لا يعرفهم يُعدّ انطوائيّاً ومنغلقاً؟

إن تقليد البعض الأعمى لِحثالة المجتمعات الغربية لا تعني سوا سطحيّتهم وعدم فهمهم لِلمعنى الحقيقي للانفتاح واختلاط الحضارات. الانفتاح، يا سادة، هو اعتناقٌ لِكل أمرٍ من شأنه أن يرفع القِيم الإنسانية بلا تعصّبٍ ولا انحياز إلى انتمائك، والتحضّر ما هو إلا تقبّلٌ لكلّ ما هو مُنيرٌ لِلعقل ومصدر إلهامٍ للقلوب أياً كانت حضارته وأياً كانوا مُعتنِقوه.

على مَرّ العصور، هذا ديدن الحضارات؛ بشرٌ يرحلون من حضارتهم إلى أخرى، هؤلاء البشر يُلقّبون بِـ “طلبة علم”. يقضون أولئك البشر ما يقضونه في تلك الحضارة ثم يعودون إلى حضارتهم وقد أُشبِعت أرواحهم بالجميل منها، واستنارت عقولهم بِعِلمها، وامتلأت قلوبهم بالأمل في نفع حضارتهم والنهوض بها. لا ننسى من نكون؛ فلنفتخر بديننا، ولنكن خير سفراءٍ له ولِلوطن. لِنأخذ من حضارتهم احترام الوقت؛ لِنتبنّى من ثقافتهم حب القراءة والإطّلاع؛ ولنستفيد من احترامهم للإنسان أياً كان لونه، جنسه، أو عرقه فهذا من أساسيات ديننا لِما قاله رسولنا عليه الصلاة والسلام في حجة الوداع “لا فرق بين عربيٍ ولا أعجميٍّ إلا بالتقوى”.

لِنأخذ الجميل منهم إلى ديارنا؛ ولنترك لهم ما هُم فيه مُفسِدون.

*هياطهم؛ تعني استكبارهم وادّعاءهم بامتلاك شيءٍ لا يمتلكونه أصلاً.

رأي واحد حول “الانفِتاحُ المُنغَلِق

اضافة لك

  1. رائع ماكتبت – انت هنا توضح ببساطة التعقيد الذي تمتلئ بة رؤوس البعض وانة ولكي يكون ( ابو المفهومية ) لابد ان يواكب اخر اخبار الفن و السينما و الهيب هوب والكثير من( السماجة ) – انت بايجاز تصف 99.9 % من الاشخاص المحيطين بي – مع الاسف
    والذين اضطر التعامل معهم يومااا
    بالمناسبة
    سؤال صديقك اذهلني – بالحقيقة حتى انا لم اجد اجابة !!

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: