إلى متى…!؟

الحادية عشر صباحاً في يومٍ شتوي بردُه قارِس، أنتظر في قاعة السيد دوقلس ليبتدئ درسه وقد فقدت الإحساس بأناملي من شدة البرد. مرّت قُرابة الثلاث دقائق وأنا أهفُّ على يدي علّها تدفأ، إلا بزميلٍ لي يُدعى تايلر يبتسم إليّ ويقول “سلطان، ماذا لو أردتُ اعتناق الإسلام؟ كيف لي أن أصبح مسلماً؟” تفتّحت وجنتاي كما تتفتّح الأزهار عند بزوغ النهار عندما سألني هذا السؤال. فقلت له مُتحمّساً “الأمر جداً بسيط، كل ما عليك القيام به هو قول جملتين فقط لا غير” فقال وبكل اهتمام “وما هاتان الجملتان؟” فأجبت “قُل بقلبٍ صادق – أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمداً رسول الله” فاندهش وقال “بهذه السهولة أصبح مسلماً!!؟” فأشبعت اندهاشه وقلت مُبتسماً “نعم بهذه السهولة”

ولكن فضول تايلر لم يشبع بعد. اِلتفت تايلر إلى صديقٍ لنا يُدعى ماكس وقال له “وماذا عنكم يا يهود!؟” ضحك ماكس وقال “أتعني بأنك تريد أن تصبح يهودياً؟!” فأجاب تايلر “بالتأكيد، هذا ما أعنيه” ضحك ماكس مجدداً وقال “لا يمكنك أن تصبح واحداً منا يا تايلر! في الحقيقة، لا أحد يستطيع أن يعتنق اليهودية متى ما أراد. لكي تصبح يهودياً، يجب عليك أن تولد من والدَين يهوديَيْن! إن لم تكن مِمَن اختارهم الإله ليصبحوا يهوداً، لن تكون منّا أبداً؛ فنحن شعبه المُختار” صُعِق تايلر فسأله “لماذا كل هذا التعصّب؟” فقال ماكس “نحن اليهود نشعر بأننا عائلة واحدة مهما اختلقت جنسياتُنا أو عاداتُنا أو تقاليدُنا. يجمعنا شيءٌ واحد، وهو ديننا، وسنعيش لأجله ونموت من أجله” وما إن انتهى ماكس من هذه المقولة التي هزّت كل ذرّةٍ في جسدي، إلا بِطالبةٍ تُدعى رايتشل تبتسم لِماكس وتقول مسرورة “أنا يهوديةٌ أيضاً” ومن بعد تلك العبارة، لم أرَ ماكس يوماً إلا وبجانبه صديقته رايتشل.

ما حصل في تلك الدقائق الوجيزة جعلني أفكر لِأيامٍ طويلة. ما قاله ماكس يفسر كل الألغاز التي كانت تدور في ذهني عن نجاح اليهود في كل المجالات الحياتية رغم قِلة عددهم وترامي أطرافهم وصغر أرضهم. كيف لِذلك الشعب الذي كاد أن ينقرض بأكمله في عصر هتلر أن يصبح أكثر الشعوب سيطرة على العالم في أقل من ٧٠ عام. ابحثوا في كل المجالات وستجدون اليهود يُعدّون من الافضل إن لم يكونوا الأفضل.

فيس بوك، ديزني، قوقل، مايكروسوفت، ستاربكس، كالڤن كلاين، پولو رالف لورين وغيرها الكثير من الأسماء التي يمتلكها أو يرأسها اليهود مع أنهم لا يشكلون أكثر من شخصين في الألف من هذا العالم. ٩٦٪ من الإعلام العالمي بكل أشكاله يقوده يهود. إسرائيل وحدها تُنتج خمسة آلاف ضِعف مِن ما تنتجه الدول العربية جمعاء في البحوث العلمية والتقنية. كل هؤلاء اليهود يجمعهم هدفٌ مشترك ألا وهو رفعة اسم اليهودية. مهما اختلفت ميولهم ومجالاتهم إلا أن إخلاصهم لِدينهم يجمعهم

ما قاله ماكس عن العائلة الواحدة كان قد قاله رسولنا المختار عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم في وصفٍ بليغٍ من جوامع الكَلِم حين قال “مَثَلُ المؤمنين في توادّهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضوٌ تداعى له سائر الجسد بِالسهر والحُمّى”

من الواضح أن النجاح المنقطع النظير الذي تتربّع اليهوديّة على عرشه هو نفسه العرش الذي تربّعَ عليه الإسلام في عهد نبينا عليه الصلاة والسلام وأصحابه رضوان الله عليهم. وذلك النجاح لا يتأتَّى إلا بتطبيق ذلك الحديث الشريف كما يطبقه اليهود في يومنا هذا

فخرُنا بِإسلامنا لم يَعُد نفس الفخر الذي خالَجَ نبينا وأصحابه. لم نَعُد كالجسد الواحد؛ فالكل صار يغني على ليلاه، والجميع يريد العيش كيف ما شاء مُتناسياً أخته وأخاه. أضحينا مُختلفين أكثر من أن نكون مُتفقين. لم تَعُد “وامُعتصماه” تُسمَع كما كانت تُسمع فيما مضى من الزمان. ماذا حصل؟! أين المحبة؟! أين التراحم؟! أين التودّد!؟

أصبحنا نتفنّن في السُخرية من بعضنا البعض، ونتتبّع زلات بعضنا البعض وكأنّنا كاملون. تناسينا هدفنا الأوحد وهَمَّتنا سفاسف الأمور. مصري، كويتي، يمني، أردني، تونسي، سعودي … هذه كلها كلمات لم تُوجد إلا لِتفريقنا وقد فَعَلَت. ديننا واحد، إذاً هدفنا واحد وانتماؤنا واحد.

إلى متى ونحن تتقطّع أجسادنا عضواً عضواً؟! أما حان لنا أن نَلُمّ الشمل ونقف سوياً جنباً إلى جنب لِرَفْعِ راية “لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله”؟ أما حان يا أُمّتي؟ أما حان!؟

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: