“اهدِنا الصراط المستقيم”

اهدِنا الصراط المستقيم

عبارةٌ يردّدها أكثر من بليون ونصف مسلم في اليوم عشرات المرات. لحظة! قلت بليون ونصف “مسلم”! ولم أقل سُني أو شيعي! شافعي أو حنبلي! مُحافظ أو ليبرالي! كل ما قلته هو بليون ونصف “مسلم”. كرّرتها علّها تتسرّب قليلاً في عيون أعماها التعصب وأشغلها تحقيق النفس وأهمَّها تهميش الآخر. هذا إخواني وذاك ليبرالي وأولئك سُنّة! وكل فئة تعتقد بأنها المعصومة! ومن هنا تبدأ كرة من الثلج – كانت صغيرة – تتدحرج إلى القاع لِتصير كرة عملاقة تهدم كل ما يعترض طريقها. أجل! تهدم كل شيء قد بُني أو الآن يُبنى أو كان في الغد سيُبنى.

هؤلاء البليون ونصف – وهم في تزايد – يتشاركون في شيء واحد و واحد فقط وهو توحيد الله. يكرّسون حياتهم لِعبادته، هدفهم رِضاه، طموحهم جنّته، هويّتهم توحيده، ورسولهم محمد بن عبدالله عليه الصلاة والسلام. صِغاراً سمعوا آباءهم يحكون لهم بطولة ذلك النبي الشهم صلى الله عليه وسلم؛ درسوا هديَه وتعاليمه وعزيمته وجمال روحه فأحبّوه وتعلقوا به وهم لم يروه! بليون ونصف “مسلم” يتوجهون إلى بقعة واحدة، يقطعون آلاف الأميال ليتقرّبون إلى بارئهم ويرجون رحمته ويطلبون غفرانه ويستجدون عطفه. بليون ونصف “مسلم” وهبوا أرواحهم لِمن وهبهم إياها لحظة صرختهم الأولى وهم في المهد.

كل هذا يجمعنا؛ ومع ذلك أبَتْ نفوس القاصرين المتعصبين أن تنظر إلى مواطن اتفاقنا وأمالت رؤوسها فقط لكي تركّز على مواطن الاختلاف. أبَتْ نفوسهم أن تؤمن بِما قاله المصطفى عليه الصلاة والسلام لصحابيٍ جليل قتل مشركاً بعد أن وحّد الله “أشَقَقت عن قلبه؟” أبَتْ نفوسهم إلا أن تقدّس آراءها وصارت تدخل في سريرة هذا وتُبطل طاعة ذاك وكأنّ الله قد اختارهم لِولاية خلقِه. أناسٌ، يُحسَبون على العلم، يدخلون في مُهاترات لا تقل همجيّةً عن نقاش احتدم بين شابين يتناقشان عن كرة القدم. مُدّعوا الثقافة أتقنوا فنّ تهميش الرأي الآخر. هذا يُعطي والآخر يزيد و “يا ليل ما أطولك!”

تقديس النفس وازدراء الغير وتحقيق الذات على حساب الآخر ما هي إلا شرارات تُقدَح لِتُفجّر ما حولها تاركةً وراءها الرُكام والحُطام والعدم. بليون ونصف “مسلم” نطقوا بِالشهادة وبإذن الله سيموتون عليها، وما بين ولادتهم وموتهم سيُحاسبون عليه حين الوقوف أمام الله في يوم العرض والنشور؛ يوم تُعرض وتُنشر أعمالهم، لا ينفعهم نسبٌ ولا حسبٌ ولا فئة انتموا إليها أو فئة كرسوا جهدهم وحياتهم لِلإطاحة بها وتخطيئها.

بل البعض – الله لا يبلانا – قد يكره شخصاً يقول “لا إله إلا الله” أكثر من شخصٍ يدين بديانة أخرى فقط لأنه ينتمي إلى فئةٍ اختلقها هو وأعداؤه المتعصبون. على القارئ أن يعي بأنه ليس إلزاماً علينا أن نحبهم؛ ولكنّه إلزاماً علينا أن لا نبغضهم وأن نحترم بعضنا البعض ونتذكر بأنهم يعبدون الله وحده لا يشركوا به شيئا. ليس علينا أن نحبهم؛ ولكن علينا أن لا نكرهُهم.

لِنخلُق في قلوبنا مساحةَ حبٍّ لِكل من يلهج لِسانه بتوحيد الله ونَهدِم كل جسرٍ في قلوبنا يوصلنا إلى التعصّب والكراهية تجاه من قال “لا إله إلا الله محمد رسول الله”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: