تَكْبيس

سباقٌ بلا فائزين، سباقٌ كل من فيه خاسرون، سباقٌ ليس له نقطة بداية ونقطة نهايته موت متسابق أو خسران روحٍ بريئة. سباقٌ مُتسابقوه كرهوا طعم الفوز فتنافسوا على الخسارة. سباقٌ مضمارُه شوارعنا ومتسابقوه سائقوا السيارات الذين لا يعرفون للصبر معنى وقد جسّدوا روح الأنانية وحب الذات ونسوا مسؤوليتهم الاجتماعية فصاروا يعيشون وكأنهم الوحيدون في هذا العالم وأما بقية الناس بالنسبة لهم ما هم إلا جماداتٍ متحركة تسمع وترى وتتحدث.

فَهواية أولئك المتسابقين عند تسابقهم هي التَكْبيس* فلا يهنأ لِلمتسابق المتعجرف بالاً إلا إذا قام بالتَكْبيس عشرات المرات في المشوار الواحد وكأن الشارع قد عُبِّد من أجل راحته ومُهِّد لِسواد عيونه. يخرج من بيته لِلقاء أحد أصحابه أو يخرج من عمله لِيعود إلى منزله أو قد تصل إلى مرحلة أنه لم يقرر بعد إلى أين هو ذاهب؛ كل ما يعرفه هو أنه قد قرر الوصول من نقطة “أ” إلى نقطة “ب” في أقصر وقتٍ ممكن. هل يريد إنقاذ مصابٍ على مشارف الموت؟ أم هل يريد إدراك زوجته الحامل التي ستضع مولوداً بعد دقائق معدودة؟ أم أن وقته أثمن بكثير من أن يضيّعه في السيارة فَيضايق الجميع بتكبيسه ويتجاوزهم بسرعته الجنونية لِيصل إلى مُبتغاه؟

مُبتغاه؟ آه وما هو مُبتغاه؟ مُبتغى أغلب أولئك الذين احترفوا هواية “التَكْبيس” أقل ما يُقال عنه سخيف أو تافه أو لا يستدعي أبداً تلك السرعة الجنونية؛ ولا أريد الخوض في ذكر مُبتغاهم بالتحديد لأن الجميع يعلم بأن تلك الطبقة “التَكْبيسية” لا يهمّها مُبتغاها بقدر ما يهمّها الوصول إليه – أياً كان – في أسرع وقت. سذاجة؟ أنانية؟ حماقة؟ وقاحة؟ لا مُبالاة؟ سَمِّها ما شئت.

وبِفضل تلك اللا مُبالاة، فقد أثبتت الدراسات بأن المملكة العربية السعودية تتصدر العالم كأعلى نسبة وفيات بسبب حوادث السير والمعدل في تزايد بنسبة لا تقل عن ١٠٪ سنوياً. وتقول ذات الدراسات أيضاً بأن الأُسر السعودية تُكفّن ما يقارب العشرين مواطن “يومياً” وغالبيتهم من أبنائها الشباب(١)؛ وهذا يعني بأنك عزيزي القارئ – وبكل أسى – في يومٍ من الأيام قد فقدت شخصاً عزيزاً بِسبب حادث، حمانا الله وإياكم منها وكفانا شر أولئك السائقين المجانين.

وأما المُضحك الُمبكي فهو أنك إن سألت أحد أولئك المُكَبسين “على أيش مستعجل؟!” يرد وبِكل سخافة “والله مَنيب* فاضي!” ما أريد معرفته هو تعريف كلمة “فضاوة” في قاموسه، ماذا تعني كلمة فاضي بالنسبة له؟ وهل وقته ثمين إلى درجة أنه يرخص أراوحاً بريئة ولا يكترث إلى عواقب أفعاله؟ وهل الخمس دقائق التي سيدركها في مشواره أهم من سلامة نفسه وسلامة مَن حوله؟ أسئلة كثيرة تدور في أذهاننا باحثةً عن إجابة؛ ولكن التساؤل الأكبر هو “ما شعوره عندما يعلم بأن عائلته التي استقلّت السيارة مع السائق ذاهبةً إلى نزهة قد وافاها الأجل بِسبب سيارةٍ متهورة كانت تسير بسرعةٍ خيالية وكان سائقها أحد أقرانه المُكَبسين؟”

يا أيها المتسابقون “المُكبسون”، لو تفكّرتم قليلاً في ذلك التساؤل لانسحبتم من سباقكم وحفظتم أرواحنا وأرواحكم ولَتذكرتم بأن كل ما يهم أهلكم هو عودتكم في سلام لا عودتكم في أسرع وقتٍ ممكن؛ فانتظاركم لِخمس دقائق إضافية أهون عليهم من عدم رؤيتكم مُجدداً.

______________________________________________
(١) مصدر تلك الدراسات هو جريدة الرياض بِتاريخ ٧ نوڤمبر ٢٠١٢
*التكبيس – تعني استخدام أضواء السيارة الأمامية القوية ويستخدمها البعض لِإبعاد كل السيارات التي تعترض طريقهم.
*منيب – عبارةٌ عاميّة تعني: لستُ

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: