دمعةٌ طاهرة

مُرهَقَان، مُتْعَبان، جائعان، وفي قمة العجز والكسل. هكذا كُنتُ أنا وعبدالله ابن عمتي بعدما انتهينا من لعب كرة القدم في إحدى أيام الصيف الماضي. ونحن في طريق العودة إلى المنزل، لَمَحَتْ عيناي متجرٌ لِبيع الورود فطَلَبتُ منه أن يتوقف فاستغرب طلبي وقال “بِالله مو وقتك!” فأَصرّيتُ إلا أن يتوقف عند ذلك المتجر، وأخيراً فعل. سألني عبدالله ونحن على مشارف دخول المتجر “وش تبي بِمحل ورود الحين؟ وش ذا التَّمْسيكَة؟” فأجبته “الحين بتعرف إن شاء الله”

دخلنا المتجر وطلبتُ من البائع حزمةً من أجمل الورود لديه، وكانت لا تزال علامات الاستفهام تلوّح فوق رأس عبدالله. عندها قرّرتُ الإفصاح عن سرّ مجيئي وقلت له بِأني أعتزم شراءها لِمن سَمِع ضحكتي الأولى وشَهِد خطوتي الأولى وعلّمني أَحْرُفي الأولى، سأشتري تلك الورود لِأجمل وردةٍ في حياتي، سأشتريها لِأمي. تعجّب عبدالله وأُعجب كثيراً بِالفكرة فَقرّر شراء نفس الورود لِعمّتي، ألا وهي أمه. أرفقنا رسالةً قصيرة بين طيّات أوراق الورود تحمل ما في دواخلنا من حبٍ وعشقٍ وهِيامٍ لِذلك الإنسان الذي أفنى عُمرَه لِإرضائنا ورَسْمِ البهجة في أعيُنِنا وزَرْعِ السعادة في قلوبنا.

بعدها أوصلني عبدالله إلى منزلي ويحدوني الحماس بأن ألقى أمي وفي يدي شيءٌ لها، أياً كانت بساطة ذلك الشيء، حتى لو كانت حزمةً من الورود التي لم تأخذ من وقتي عشر دقائق. دخلتُ المنزل وإذ بِأمي تستقبلني بِابتسامتها الدافئة الدائمة فَقبّلتُ رأسَها ويدَها وأهديتها الورد ثم قلت “يا حظّ الورد فيك يا يمّه” وعندها رأت عيناي أطهر دمعةٍ تسكبُها عين إنسان.

تلك الدمعة تعني لي كل شيءٍ عشتُ وسأعيش مِن أجله، تلك الدمعةُ تُغنيني عن الدنيا وما فيها، تلك الدمعة تُنسيني هموم الحياة وصعوباتها، تلك الدمعة تُحيي ما مات فيني من أمل وتقتل ما بقيَ فيني من يأس، تلك الدمعة هي مفتاح السعادة الكونية.

الأُم هي تلك الشمعة التي تحرق نفسها من أجل أن تُضيء لنا، هي تلك الوردة التي لا أشواك لها، هي ذلك الشعاع في آخر النفق لِيمدّنا بِالأمل، هي الأزرق في السماء والأصفر في الشمس والأحمر في القلب والأبيض في الثلج والنقاء في الماء؛ فَبِلا الأم حياتُنا لا ألوان لها. الأم هي ذلك الباب المُوصِل إلى الجنة، هي ذلك المفتاح الفاتح لِكنز السعادة الأبديّة، الأم هي ذلك الغار الذي نأوي إليه إذا تكالبت علينا الهموم وثَقُلَت علينا الغموم.

ماذا تنتظر؟ إن كانت على قيد الحياة، فَاذْهب وقَبّل يدها وجبينها وقل لها مِن أعماق قلبك “أنا أحبك،” كُن السبب الأول والأخير في سعادتها، كُن شيئاً لا تتوقعه الأم من ابنها أن يكون، كُن الشمس التي تُشرق لِأيامها، وكُن الساحل الذي ترسي عليه أمواجها، كُن ما تحلم كل أمٍ من ابنها أن يكون.

وإن لم تكن على قيد الحياة، فارفع أكُفّ الضراعة واهتُف إلى مَن يُجيب المُضطرّ إذا دعاه وقُل “يا رب، اجمعني بِها في جنان خُلدك!” إكفُل يتيماً عنها، سافر إلى مكانها المُفضل “المسجد الحرام” و اعتمر عنها، ابنِ مسجداً لها واستغفر لها وكُن لها كما لو أنها معك تعيش وتحيى. وَلْنتذكّر حديث رسولنا عليه الصلاة والسلام عندما أوصى أحد أصحابه حينما أراد الجهاد وقال {أمُّك حيّة؟} قال الصحابي: نعم. فَقال عليه الصلاة والسلام {إلْزَم رِجْلَيْها، فَثَمَّ الجنة}

فَلا تفوّت تلك الفرصة، ولا تنسى بأن أمك هي أقصر وأسهل طريقٍ يأخذك إلى الجنة. فَاللهم أعنّا على برّ والدينا ومتّع من كان حياًّ منهم بِالصحة والعافية واغفر وارحم لِمَن مات منهم واجمعنا بهم في الفردوس الأعلى مِن الجنة.

4 رأي حول “دمعةٌ طاهرة

اضافة لك

  1. مقال جميل جدا
    مهما تحدثنا عن الأم فلن نوفيها حقها وهو تذكير لنا بحق الأم علينا .
    الله يرزقنا البر بأمهاتنا وآبائنا ويطيل في أعمارهما على طاعته.
    مشكور يابو محمد على هذا المقال لاحرمك الله الأجر.

  2. كلماتك كانت غطاء قالب ملائم لما يحتاجه داخلي .. شكرا لتذكيرك وعباراتك الرائعة أخ سلطان

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: