يوعيوب

المثالية أصبحت سلعةً رخيصة في أيدي الناس. أضحى الصغير يُتاجر بها قبل الكبير، صار الجميع يدّعيها – وسأكون صريحاً إلى حد التجريح بِنفسي وأقول بِأني واحداً مِن هؤلاء الذين يحاولون لِكي يصلون إلى المثالية وربما يتخلّل تلك المحاولة إدعاؤهم بِوصولها. تغيّر الحال، لم يعد كما كان في الماضي، تحوّل الناس مِن مجموعة نعامٍ تدفن رأسها في التراب تتغابى وتتغاضى عن مشاكلها وتتهرّب من حلّها، إلى مجموعة متمّردة ترى مشاكلها وتضعها نُصب أعينها ثم ماذا…؟! ثم تسخر منها! بالضبط، تلك المجموعة عرفت مشاكلها ومكامن الخلل فيها فَقرّرت أن الحل المثالي لها هو السُخرية من مشاكلها وضحكها على وضعها المؤسف وتعميقها لِجراحها بدلاً مِن مُعالجتها.

في الماضي، لم يكن الفرد مُدركاً لِما يدور من حوله ولِهذا أسبابٌ كثيرةٌ منها خضوع الفرد وطوعه إذا أُمِر بفعل أمرٍ ما بِلا تردّد واستجابته وقبوله إذا حُرِم مِن شيءٍ ما بِلا سؤال. ولكن في الحاضر، أصبح الفرد أكثر اطّلاعاً وأعمق فكراً وأنضج عقلاً. فَالعولمة ومواقع التواصل الاجتماعي وغيرها من الوسائل التي لا تُحصى مهّدت الطريق لِتكوين إنسانٍ قادرٍ على تحقيق كل ما يريد على بُعد ضغطة زرٍ واحدة. وهنا تأتي الطامّة!! فهذا الفرد الواعي المُدرك والذي يسعى جاهداً لِلوصول إلى ذلك العالم المثالي بضغط ذلك الزر تناسى بِأنه جزءٌ لا يتجزأ من المجتمع وأن المشاكل التي يعاني منها المجتمع حلّها مسؤوليته كما هي مسؤولية كل فردٍ في ذلك المجتمع.

فَالمجتمع عبارة عن مجموعة من أفراد؛ وأنهم إذا أرادوا أولئك الأفراد حل مشكلةٍ ما في مجتمعهم فَعليهم البدء بِحلها في دواخلهم وعندها سيكون كل فردٍ في المجتمع قد استطاع حلها في نفسه وحينها يكون المجتمع بِأسره قد نجح في حل تلك المشكلة التي واجهته. وذلك مِصداقاً لِقوله جل في عُلاه {إن الله لا يُغيّر ما بِقومٍ حتى يُغيّروا ما بِأنفسهم}

وأما في مجتمعنا، فقد قررت تلك المجموعة الواعية المُدركة أن تستخدم وعيها بِالمشكلة في أن تضحك وتسخر عليها ضاربةً محاولة حلّها عرض الحائط لأن سخريتهم على مشاكلهم بِالنسبة لهم هو الأسلوب المُناسب لنسيان المشكلة؛ وعادةً ما يكون هو أسلوب العاجز.

وفي الآونة الأخيرة، انتشرت وبِشكلٍ لا معقول موضة برامج اليويتيوب والتي آثرْتُ إلا أن أسميها “يوعيوب” لِما فيها مِن تركيز على عيوب المجتمع وتسليط الضوء على سلبياته ومشاكله وكأنّ مقدّم ذلك البرنامج مُنزّل من السماء أو أنه تربى ونشأ في فرنسا أو الموزمبيق. وليت ذلك المقدم “الفرنسي” يقدم حلاً لِلعيب أو المشكلة التي يطرحها في برنامجه؛ كل ما يقوم به هو طرح المشكلة ثم الضحك عليها، بِمعنى آخر “يضحك على خيبته.” وما يؤسفني هو الكم الهائل من الناس الذين ينتظرون كل جديد يقدّمه هؤلاء الـ “يوعيوبيون” فقط مِن أجل أن يتعاطوا جرعتهم مِن “الضحك على خيبتهم.”

إذا كنا فعلاً نريد حلاً لِمشاكلنا فَلنَعي بِأن السخرية ليست مِن ضمن الحلول؛ في الحقيقة، السخرية تُعدّ مشكلةً من مشاكلنا التي يجب أن نجد لها حلاً. إذا أردنا حلولاً، فَسنجدها في مَن يرى الثقب فَيرقعه ويرى الحفرة فَيدفنها ويرى الكسر فَيجبره؛ ولن نجد الحلول في مَن يصرخ بِأعلى صوته ويقول “كم هو مُخزٍ ذلك الثقب، وكم هي عميقةٌ تلك الحفرة، وكم هو مؤلمٌ ذلك الكسر.” الجميع قادرون على الكلام، ولكن قلّة القلّة هي القادرة على خلق الحلول وصُنع الفارق.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: