قاتلٌ لا يُسجَن

الخامسة صباحاً، يصيح المُنبّه مُنادياً عيوني النائمة لِتستيقظ من نومها الذي لم تَهنأ به طويلاً فَتتحرّك أناملي لا إرادياً بِبطءٍ شديد تجاه المنبه لكي توقفه كالعادة بِكل كسلٍ وإرهاق. ولكن فجأة… عقلي صار يصرخ مُحاولاً إيقاظي وهو يقول “سلطان، اليومُ هو يوم المُنافسة! هذا هو اليوم الذي لطالما انتظرته طوال هذه السنة!” وعندها وبلا تفكير استيقظ سلطان النائم في داخلي وبدأ بالاستعداد لِتلك المنافسة وقد امتلأ قلبُه بِالأمل. جاهزٌ وعلى أتمّ الاستعداد على عتبات منزله، فقط في انتظار أصدقائه جيف، نِك وفرناندو الذين سَيُسافرون معه إلى مدينة تشارلوتس ڤيل لكي يتنافسون على أفضل مشروع تخرّج من بين ٤٠ مشروعاً من مختلف دول العالم.

وهو ينتظر أمام منزله، قرّر بِأن يتصل بِوالدَيه لكي يأخذ جُرعته اليومية من الحب والدعاء. وأخيراً وصل أصدقاؤه، وها هم الآن مُتجهون إلى تلك المنافسة ويحدوهم الأمل بِالفوز. ولكن كان لِسلطان شعوراً مُغايراً، فَلم يكتفي بِالأمل لِتحقيق الفوز، بل كان واثقاً تمام الثقة بِأن فريقه سَينال الجائزة. فَقد قضوا عاماً كاملاً يعملون بِجدّ لِإنجاح ذلك المشروع، سهروا الليالي وتخلّوا عن أولوياتهم وسخّروا كل طاقاتهم فقط من أجل تقديم مشروعٍ يُثلج طموحهم المُتّقد. وأثناء تواجدهم في المنافسة، قدّموا مشروعهم خير تقديم وكوفئوا بِالثناء على حُسن صنيعهم.

ولكن منذ وصول الفريق إلى المنافسة في الصباح الباكر وحتى إعلان النتائج بعد يومٍ مُتعبٍ لم يكد أن ينتهي، فكرة “الخسارة” لم تُخالج خيالات سلطان ولا حتى رحيقها؛ كل ما كان يفكر به هو الظهور على ظهر ذلك المسرح واستلام درع الفوز بِالمنافسة. انتهت المنافسة وأُعلِنت النتائج، خَسِر سلطان وكانت النتيجة هي أن فريقه أضحى من المُتفرجين الذين صفّقوا لِأولئك الذين كُرّموا وأخذوا مكانه في مُخيّلته. صُدِم سلطان بِتلك النتيجة المُفاجئة التي أصابته كَسهمٍ في الظلام، وعندها استيقظتُ أنا من سُباتي لِيعود سلطان في داخلي وينام جارًّا معه أذيال الخيبة.

وعندها كتبتُ رسالتي إلى كل نفسٍ توّاقة طموحة كَنفس سلطان… لا تُعلّق إنجازاتك وأحلامك وطموحاتك بِثناء الغير لها ومديحهم لك وتقديرهم لِجهودك، فَإنجازاتك أكبر من ثنائهم، وأحلامك أجمل من مديحهم، وطموحاتك أجلُّ من أن تنتظر من أحدٍ تقدير جهودك. وتفاءل دائماً لِأن الرسول عليه الصلاة والسلام أوصانا “تفاءلوا بِالخير تجدوه”، وأحسن الظن بالله، وافعل بِالأسباب كما قال المصطفى صلى الله عليه وسلم “اعقلها وتوكّل”؛ ولكن… لا تتوقّع شيئاً أبداً، فَالتوقعاتُ تقتل كل جميلٍ طال انتظاره. التوقّعات هي تلك العاصفة التي تجتثّ من أرواحنا كل شعورٍ بالرضا والقناعة. التوقّعات هي ذلك القاتل الذي يفتك بِالمشاعر والقلوب ولكنّه لا يمكن أن يُسجن.

جميلٌ هو الشعور بِالفوز، ورائعٌ هو الإحساس بِكونك الأفضل، ولا توصف لذّة النجاح؛ ولكن يجب عليك أن تُعوّد نفسك على الخسارة لكي تشعر بِجمال الفوز يوماً، ويجب عليك أن تستسيغ مرارة الفشل لكي تستمتع بِلذّة النجاح التي لا توصف عندما تتذوّقها. وكما قيل “النجاحُ لا يُولد إلا من بطن الفشل”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: