بِالله شِفْ التخلُّف

وأنا في أحد الأسواق المركزية أتبضّع لِلمنزل صادفتُ زميلاً لي كنتُ قد شاركتُه أطراف الحديث قبل فترةٍ ليست بِالبعيدة. وكان ذلك الحديث الذي دارَ بيننا يتعلّق بِخططي المستقبلية لاسيّما أنّ تخرجي على بُعد أيامٍ معدودة؛ وكانت إجابتي على تساؤلِه بِأنّي سَأعود لِأرض الوطن كي أخدم ديني ومجتمعي. تعجّبَ من إجابتي وقال “ما تبي تجلس هنا بعد ما تتخرّج؟!” فَتعّجبتُ من تعجّبِهِ وتساؤلِهِ وقلت “ليش أجلس؟ وش تبيني أسوي هنا؟!” فأجاب “ياخي اجلس وشف لك شغلة هنا أحسن لك! وش تبي بِوجع الراس والغبار والغثا والفوضى؟ هنا ناس تريّحك فالشغل، نظام واحترام ولا واسطة ولا شي! ليش مستعجل على الرجعة؟”

ما إن انتهى من حديثه الذي كان بِمثابة اللكمات التي سدّدها في وجهي، إلا وقد فقدتُ الشهية في إكمال ما تبقّى من أكلٍ في الوجبة التي جمعتني به. لم يكن في مقدوري الردّ على ما قاله لي من شدّة صدمتي وأنّي لم أكن أتوقّع في حياتي أن أواجه شخصاً يقول ما قاله. حينها، لم أستطِع مُجاملته وحاولت إنهاء الوجبة واكتفيتُ بِقول “الله يعين الجميع ويكتب لنا اللي فيه الخير.” مرّت الأيام والأسابيع وكنتُ قد تناسيتُ ما حصل، لِيأبى القدرُ إلا أن يجمعني به في ذلك السوق المركزي وفي منتصف الليل أيضاً؛ من يتبضّع في منتصف الليل ويُقابل زميلاً له في أسبوع الإختبارات النهائية، سبحان الله!

سلّمتُ عليه وتبادلنا الابتسامات فَبادرني السؤال وكأنّه ينوي تسديد لكماتٍ جديدة في وجهي ولكنّي تجهّزتُ لها هذه المرة؛ قال لي “خلاص بترجع للسعودية هاه؟! ياخي حرام عليك ما ادري على ايش مستعجل!!” فَسألتُه “كم لك هنا أنت؟!” فَقال “صار لي خمس سنوات” فَسألتُه مُجدداً “صار لك خمس سنوات هنا وما ودّك ترجع السعودية صح؟!” فَأجاب مُبتسماً والفخر يملأ قلبه “لا، صراحة ما ودّي أرجع” فَازداد فضولي وسألته “ليش طيب؟” فَقال “تعودّت على الناس هنا خلاص! وتعوّدت على النظام ما عاد أقدر أتحمّل السعودية، تجيني صدمة تغيّر ثقافات!” ضحكت من إجابته وقلت له “تربط الحزام إذا رجعت السعودية؟” (لاحظ عزيزي القارئ بِأني لم أسأله إذا كان يربط الحزام هنا في أمريكا، لأن الإجابة بديهيّاً ستكون “نعم”) فَأجاب وهو يتبسّم “ههههه أنا ما أربط الحزام هنا [أمريكا] عشان أربطه هناك [السعودية]” وحينها لم أكن مستعداً لِما قال ومن فَرْط تعجّبي صافحتُه وقلت له “الله يوفقك في اختباراتك وتصبح على خير”

عاش هذا الزميل خمس سنواتٍ بينهم زاعماً بِأنه تشرّبَ نِظاميّتَهم واحترافيّتَهم في التعامل وأنّه لم يعُد مُهيّأً لِلعيش بين السعوديين لِتخوّفه من “صدمته الثقافية” – باسم الله عليه – وهو لا يتّبع حتى أتفه وأسخف نظام “ربط حزام الأمان.” لِلأسف، أصبحت هذه الظاهرة منتشرة بين المُبتعثين بِشكلٍ مُخيف؛ صاروا يتفاخرون بِمكوثهم في الغربة أعواماً عديدة بِلا عودة لِلوطن وكأنّهم صنعوا مجداً لا يُصنع. وإذا عادوا ردّدوا جملتهم الشهيرة “بالله شف التخلّف!! بالله شف القَرَف!! بالله هذولي بشر وإلا ….!!” وكأنهم لم يكونوا بِالأمس بيننا ومردّهم العيش بيننا عاجلاً أم آجلاً. وما يبعث الاستغراب في ذهني هو أن أغلبهم لم يتجاوز مكوثه في الغربة السنة إن لم يكن أقل؛ وتجده ينظر إلى المجتمع الذي وُلِد فيه نظرة الابن العاق الجاحد لِأمّه بعد بلوغه.

إلى كل المُبتعثين، ديننا ومجتمعنا اليوم بِأمسّ الحاجة لنا أكثر من أي يومٍ مضى؛ هما بِحاجةٍ إلى قدراتنا وكفاءاتنا وشهاداتنا. والأهم من كل هذا وذاك، أنّهما بِحاجةٍ إلى حبنا لهما وإفناء أعمارنا من أجل رِفعة الإسلام وإصلاح المجتمع. نحن هنا من أجل أن نتعلّم منهم ثقافة اتّباع النظام، احترام الغير، الاحترافية في العمل، وإعطاء كل ذي حقٍ حقّه؛ فَلْنحرص على تشرّب تلك الخصال ولْنُحصّن أنفسنا من تشرّب غيرها. وكما قال الرسول عليه أفضل الصلاة وأتمّ التسليم “من خرج في طلب العلم كان في سبيل الله حتى يرجع” فَلا يكن خروجك بِلا عودة؛ وعُدْ إلى وطنك وكُن عوناً له لا عوناً عليه. وخُذْ منهم ما ينفعك واترك لهم ما تبقّى. وكُن دوماً كما قال الشاعر:

بلادي وإن هانَتْ عليّ عزيزةٌ
ولو أنّني أعرى بها وأجوعُ

أأجعلُها تحت الثرى ثم أبتغي
خلاصاً لها؟ إنّي إذن لَوضيعُ

وما أنا إلا المسكُ في كل بلدةٍ
أضوعُ وأما عندكم فَأضيعُ

رأيان حول “بِالله شِفْ التخلُّف

اضافة لك

  1. في بعض الٲحيان تفاجأ مما يقوله بعض الناس وهو لا يلقي بالاً، كيف أنه قد ضحى بالكثير من مبدٲه في مقابل العيش في مثاليه، وهو لايدري انه هو أحد المفاتيح الجعل هذا الوطن مثالياً، اشكرك على المقال الذي هو بمثابة نصيحة صادقة من مجرب، وكما قيل ((ٲسئل مجرب ولا تسئل خبير)) ٳن التغير الذي طرى على هذي البلد كان من دافع الوصل للمثالية و هذا هو السبب الذي يدفع الأمم إلى النجاح والبقاء في القمة فإذا كان كلُ واحداً فينا ٲصبح هذا هو مبدٲه فأنا أجزم تمام الجزم أننا سوف نصبح من أكثر الدول مثالية ونقدماً، عذراً على الإطالة واشكرك مرة أخرى واتمنى ان يبداء التغير من الآن.

    1. حبيبي فيصل، كلامك عين العقل! ومؤيد لِكل ما جاء في التعليق، ومؤمن بِأنه يوجد مَن سَيُمثّل الدين والوطن خير تمثيل في القريب العاجل وأرجو من المولى جلّ في عُلاه أن أكون أنا وأنت وكل من يقرأ مِمَّن سَينتفع الإسلام بِعلمهم.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: