يجي لك يوم

الإقلاع؟
– ٧:٢٠ المساء
الخطوط؟
– البريطانية
الجواز؟
– معاي
العفش وكل شي جاهز خلاص؟
– إيه الحمد لله كل شي تمام

وبعد هذا الحوار المُقتضب الذي دار بيني وبين أمي – حفظها الله – أخذتُ حقائبي وقبّلتُ رأسَها ويدَها ثم خرجت متّجهاً لِلسيارة التي سَتُقلّني إلى المطار. لِحرصي الزائد، وصلتُ المطار قبل الإقلاع بِأربع ساعات وكان الطابور طويلاً لِدرجة أنّه استغرقني ساعةً ونصف لِيأتي دوري. وأخيراً، حان دوري فَتوجّهت إلى الموظّف مُبتسماً وبِكل ثقة أعطيتُه جواز السفر فَقال بِابتسامةٍ رقيقة “عزيزي، رحلتُك لا تقلع من هنا! إنّها تُقلع من مطارٍ آخر يبعد قُرابة الساعة والربع”

تفاجأتُ ولم أصدّقه حتى تأكدتُ بِنفسي بعد أن نظرتُ إلى التذكرة لِأدرك سذاجتي وأتيقّن بِأنّ كلام الموظّف صحيح. فَهرعتُ إلى بوابة الخروج لِأذهب إلى ذلك المطار البعيد بِسيارة أجرة لَعلّي أسابق فيها الزمن لاسيّما وأنّ إقلاع الرحلة بعد ساعتين فقط. الحمد لله، وصلتُ المطار قبل الموعد المُحدّد بِدقائق وتمكنتُ من إصدار بطاقة صعود الطائرة ونظرتُ إلى بوابة الرحلة فَوجدتُ بِأنّها بوابة رقم “٣٤”. ذهبتُ إلى البوابة وقد كان باقياً من وقت الإقلاع ما يقارب الـ ٤٥ دقيقة، يعني كافية لِأنْ أسترخي بعد الضغط النفسي الذي عشتُه في طريقي من المطار الأول إلى المطار الثاني. وعندها اتصلتُ بِأهلي لِأُبلغهم أن كل شيء على ما يُرام وأنّي فقط أنتظر إعلان الرحلة.

انتهت الحكاية وصعد سلطان الطائرة؟ هههههه لا يا حبيبي، توّه مسلسل “سلطان في المطار” الدرامي لم يبدأ بَعدْ عشان ينتهي.

من قرادة* سلطان وفلسفته الزائدة، قرّر أن يُلقي نظرة على بطاقة الصعود فقط لِيطمئنّ قلبُه؛ ولكن كانت تلك النظرة تُخبّئ مفاجأةً أخرى لِسلطان. بعدما نظر سلطان إلى البطاقة، وجد بِأنّ رقم البوابة هو “٥”. لم يتمالك سلطان نفسه وحمل أمتعتَهُ عسى أن يتدارك فداحة الموقف بَيْدَ أن موعد إقلاع الرحلة بعد ٢٠ دقيقة فقط. ركض في ممرّات المطار كالعدّاء الأولمبي وتجاوز عدداً هائلاً من الناس تماماً كما يحدث في الأفلام الدرامية وهو يقول “يا رب”.

خرج من الصالة وتعدّى نقطة التفتيش التي دخل منها حالماً في الوصول إلى بوابة رقم “٥”. وعند وصوله نقطة التفتيش لِدخول الصالة الثانية والتي فيها بوابة “٥”، اكتشف بِأنّه نظر إلى بطاقة الصعود الخاطئة والتي كانت لِلرحلة الثانية “الترانزيت” واستدرك بِأنه كان ينتظر طوال الوقت أمام البوابة الصحيحة وهي بوابة “٣٤”. ينظر سلطان إلى الساعة وهو يضحك من شر البليّة التي ابتلى بها نفسَه. وأخذ يركض مرةً أخرى عائداً لِلبوابة التي قد تركها “٣٤”؛ ولكن هذه المرة لم يكن عدّاءً بل كان يائساً لأنه عندما عاد لِنقطة التفتيش الأولى، رأى طابوراً ليس له أول وليس له آخر. فَنظر إلى الساعة لِيجد بِأن الرحلة سَتُغادر بعد ١٥ دقيقة فقط.

تغلّل اليأس في قلب سلطان، لأنّ يومه على ما يبدو تعيساً من أوله ولن تجدي محاولاته لِتبديل الحال. ولكن جزءٌ صغيرٌ منه أراد أن يحاول للمرة الأخيرة، فَذهب لِرجل الأمن وشكى له الحال، فَأجاب رجل الأمن بِجديّته المُتناهية “لا أستطيع مساعدتك، عليك الانتظار في الطابور!!” ولكن أصرّ سلطان عليه وألحّ، فَقبل رجل الأمن أن يضعه في مقدمة الطابور. وحينها بدأت أنهار الأمل بِإطفاء بركان اليأس الهائج داخل سلطان. انتهى سلطان من التفتيش وعاد العدّاء لِيُمارس هوايته المفضّلة لِيصل إلى البوابة “٣٤” في تمام الساعة ٧:٠٦ (يعني قبل الإقلاع بِـ ١٤ دقيقة بس).

تفاجأ سلطان بِأن البوابة كانت مغلقة ولا وجود لِمسافرين حول البوابة وبدأت قطرات العرق تتساقط من جبينه على الأرض وقد علم وقتها بِأنّ أنهار الأمل قد فشلتْ في إخماد بركان اليأس وهاهُوَ يهيج مُجدداً. نظر سلطان إلى شاشة البوابة بِكل أسى فَقرأ العبارة “رحلة نيويورك رقم ١٢٨ قد تم تأجيلها إلى الساعة ٨:٤٥ مساءً وذلك لِسوء الأحوال الجوية في نيويورك، نأسف على إزعاجكم”.

ولم يكن بِمقدور سلطان في تلك اللحظة إلا أن يُغلق عينيه ويبتسم ويقول بِصوتٍ المُنهك الذي يسابق أنفاسه “اللهم لك الحمد”. جاءت الساعة ٨:٢٠ وصعد سلطان الطائرة وجلس في المقعد المخصّص له “١٠-أ” وربط حزام الأمان وحينها تَيقّـن بِأنّ يومه البائس قد انتهى.

لكل منّا قصةٌ في قمة التعاسة، فصولها تحكي واقعَ يومٍ لا يريد أن ينتهي بُؤسُه ولا مَفرّ من شُؤمه؛ كل ما يمكنك القيام به هو أن تعيشه بِأقل الخسائر وأن لا تستكين أبداً أو تيأس. ودائماً ما ننسى بِأنّه لا وجود لِتلك القصة التي لا نهاية لها، فَعندما تبدأ فصول قصتك تذكّر بِأنّها سَتنتهي لا محالة.

أنا متأكدٌ بِأنّ قصتي هذه لا تُعتبر تعيسةً أبداً مقارنةً بِقصص بعضكم، لكنها كانت درساً لي لِأستعد لِما هو أتعس وأكثر بؤساً. كانت تذكيراً لي بِأن الأيام دُوَل، يومٌ لك ويومٌ عليك. تلك القصة علمتني المعنى الحقيقي لِلتفاؤل والتشاؤم والفرق بينهما. تلك القصة علمتني بِأن التفاؤل هو أن تنتظر ذلك اليوم الذي يتوقُ لِأن يكون لك رغم أنك تعيش يوماً عليك؛ والتشاؤم هو أن تتذكر ذلك اليوم الذي ينتظرك بِلهفة لِيصُبَّ تعاستَهُ عليك بِالرغم من أنك تعيش يوماً لك.

حياتُنا قصة، والقصة فصول، ولكل فصلٍ يوم؛ فَاقرأ البائس من الأيام وتعلّم منه، مُستذكراً تلك الفصول التي زادتْ حياتَك إشراقاً. ولاحظ بِأنّ ما كان يُبكينا بِالأمس صار قصةً تُضحِكنا اليوم. ودائماً تذكّر بِأنّ القصة سَتنتهي يوماً ما، فَلا تحزن على شيءٍ تعلمُ بِأنّه فاني. وكما قال رسولنا عليه الصلاة والسلام {كن في الدنيا كأنّك غريبٌ أو عابرُ سبيل}

ولا تبتئس مِمّا قد فات وانتظر بِشوقٍ كل ما هو آت.

*قرادة – سوء الحظ الممزوج بِالحماقة

4 رأي حول “يجي لك يوم

اضافة لك

    1. يعجبني تأملّك في اللحظات التي استبسل فيها حسن الحظ لِينقذنب بعد الله رغم أن سوء الحظ كان سيد الموقف معظم اليوم 🙂 اللهم لك الحمد في كل حال

      1. دروس وعبر لها قيمه في حياة كل واحد منا، الا آن الاهم هو آسلوب الكاتب الذي جعلك وانت تطارد حروف الكلمات وتلتقطها بسرعه لكي ترى الطريق الذي هو يحاول الوصول اليه وكانك برفقته والخوف يحتويكم بين الامل والياس بآن تلحقوا الطائره

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: