فاهم غلط

*يضرب بوري والإشارة لم يتجاوز وقت تحوّلها من الحمراء إلى الخضراء سوى بضع أجزاءٍ من الثانية*

*يفكّ حزام الأمان ويقوم من مقعده ويأخذ أمتعته وملّاح الطائرة لم يُكمل بَعدْ عبارته الشهيرة “حمداً لله على الوصول. المرجو من حضرات السادة الركوب البقاء في مقاعدكم وعدم فك أحزمة الأمان إلى أن تنطفئ إشارة ربط الحزام وذلك لِسلامتكم”*

*يمسك الكتف وتكاد سرعته أن تضاهي سرعة الطائرة ويده اليسرى لا تكاد أن تُفارق التكبيس لِكي لا تفوته جَمعة الشباب في الاستراحة وصكّة البلوت*

*يدخل المطعم فَيرى طابوراً طويلاً فَيتجاوزه لأنه جائع وكأن اللي ماسكين طابور جايين يصورون مع الأكل*

*يمسك الخط الأيمن عند الإشارة لأنه فاضي بلا نية للانعطاف إلى اليمين بل لكي يسبق كل من ينتظر في الخطوط الأخرى في الإشارة ويضايقهم في الدخول عليهم فقط كي لا تفوته مباراة ريال مدريد وبرشلونة*

ما شاء الله! من الواضح أنّه شخصٌ لا يتعامل مع كافة أمور حياته إلا بِالاستعجال فَهو يحب أن ينجز الأمور في أسرع وقتٍ ممكن. لِنُلقي نظرة…

*يدخل شخصٌ عليه في المكتب ومعه معاملةٌ يريد إنهائها في أسرع وقتٍ ممكن للحاجة الماسّة فَيأخذ الملف منه ويضعه في درج مكتبه الذي كتب عليه “درج النسيان”. ويأتيه آخرٌ أحوجُ من سابقه فَيأخذ ملفه ويضعه فوق الأول إلى أن يمتلأ الدرج فَيضطر إلى وضعها في “درج الهجران”. وهكذا يمضي الحال شهوراً وأحياناً سنيناً والملفات قد أَلِفتْ رائحة الغبار*

*تطلب منه أمه أن يحضر أغراضاً لها أو للمنزل فَيؤجل ثم يُماطل ثم يتكاسل إلى أن تفقد أمه الرغبة والحاجة في اقتناء تلك الأغراض وبعدها يقول “الحمدلله افتكّينا”*

*يستدين مبلغاً من المال من أحد الناس وقد اتفقا على زمانٍ ومكانٍ لِيردّ الدين لِصاحبه فَيغيب ويعتذر ويكذب ثم يتهرّب إلى أن يشعر الدائن بِالذلّ الذي لحق به جرّاء بحثه الغير منقطع عن ماله الذي هو حقٌ له*

*يؤذن المؤذن للصلاة ثم يُقيم فَتنتهي الصلاة ويخرج الناس من المسجد لِينتشروا في الأرض ويبتغون من فضل الله وهو لا يزال على حاله قاعداً ولم تتحرك فيه شعرةٌ واحدة*

وبعد هذه السيناريوهات القصيرة التي تصوّر حال أحدهم وفهمه لِمُصطلح “الاستعجال”. غالباً ما يستعجل في مواضع لا تحتاج فيها إلى استعجال لِسخافتها وسطحيّتها؛ ويتباطأ في ما يكون في أمسّ الحاجة إلى الاستعجال. وهذا الإنسان ومما لا شك فيه قد تشرّبت نفسُه مفهوم الأنانية بل وقد أبتْ إلا أن تتغذى وتكبر عليه؛ فلا يستعجل ويتعب ويبذل الغالي والنفيس إلا في ما يخصّه ويعنيه. وأما ما يعني غيره ويخصّهم فما له إلا النسيان والهجران؛ وهذا إنسان فاهم غلط.

ومع أن الاستعجال غريزةٌ إنسانية جُبِل عليها بنو آدم – قال تعالى {خُلق الإنسان من عجل} – حريٌّ بنا أن نستغلّ هذه الغريزة فيما يفيد مَن حولنا لا فيما يضرّهم ويُتعبهم.

رأي واحد حول “فاهم غلط

اضافة لك

  1. شكرا لك أخ سلطان على نظرتك المتكاملة في الأمور .. نتطلع للمزيدك

    وكما قرأت
    ‏جاء في (الفروق اللغوية):

    السرعة: التقدم فيما ينبغي أن يُتقدّم فيه وهي محمودة.
    والعجلة: التقدم فيما لا ينبغي أن يُتقدّم فيه وهي مذمومة.

اترك رداً على نهى الجريد إلغاء الرد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: