وينك يا مراد؟!

“مراد، واحد شاهي!”

“مراد، قهوة سكر وسط!”

“مراد، بيبسي لو سمحت”

تستقبل أسماع مراد تلك العبارات التي تتطاير عليه من شتى أنحاء المكتب كل صباح وحتى آخر ساعة من النهار. ولا يفتأ ذلك المراد من تقديم ما يُطلب منه بابتسامة مرموقة تضفي رونقاً نادراً لِكوب بسيط من الشاي أو القهوة لا يسمن ولا يغني من جوع. كل صباح، يصحو مراد ويتأهّب لِيومٍ جديد تملؤه أكواب الشاي والقهوة؛ كل صباح، يستعد مراد لِسماع اسمه يتردد عشرات المرات في الساعة الواحدة لِــيُلبّي رغباتنا في الحال. وتمضي الأيام والشهور والسنون، ولا يزال مراد العشير الأوحد لِمطبخ المكتب؛ ومع هذا الروتين القاتل إلا أنه لا يلبي احتياجاتنا إلا بِسعادة مطلقة.

نسرح ونمرح، نجيء ونروح في أرجاء المكتب والأكواب تتعاقب علينا واحدة تلوى الأخرى بلا اكتراث منا لِأهمّيتها التي تتخطّى توقعاتِنا كلها. ولكن كما قال أحد الحكماء “لا تشعر بقيمة الشيء في حياتك إلا عند فقده.” وهذا بالضبط ما حصل لنا عندما غاب عنا مراد لِيوم واحد فقط بِداعي المرض؛ ليس يومين أو ثلاثة أو أسبوع، بل يوم واحد فقط. وفي ذلك اليوم، ساعة بعد ساعة كان ينمو فينا الشعور بِقيمة مراد وأكوابه في يومنا وما لها من تأثير عميق على سلاسة أحداثه. ولم يكن تأثير غياب مراد مقتصراً على أكواب الشاي والقهوة فَتلك أشياء محسوسة، بل طال تأثيره أموراً أعمق وهي نظافة دورات المياه والتي لم نكن نلقي لها بالاً البتة لأننا كنا نظن بِسذاجة أنها نظيفة تلقائياً متناسين ذلك العامل المسكين الذي يعمل النهار كله لِضمان نظافتها.

ولكن بعد غياب مراد، تجلّت أهميته في حياتنا رغم تسخيفنا وتقليلنا من قيمة عمله وبدأنا بالتأوّه والتنهيد وتكرار السؤال “وينك يا مراد؟” مرات ومرات ومرات.

وكم من الأشياء التي تحيط بنا وقد ألقتْها ذاكرتنا في مقبرة النسيان وأصبحت ضحية التهميش، فقط لأننا تعودنا على الحصول عليها بلا عناء ولا شقاء. بالرغم من أن فقدان تلك الأشياء سيُخلّ بِتوازن حياتنا وسيُعرضنا إلى الضياع والتيه تماماً كما حدث معنا عند غياب مراد الذي كان يقدم لنا ما نرغب به في الحال ويضمن لنا نظافة دورات المياه أولاً بأول.

كم من النِعم التي رزقنا الله إياها ونحن عنها غافلون لا نعيرها ولو حتى القليل من الاهتمام؛ بل وقد نصل إلى درجة أننا ننسى شكر الله على تلك النعِم المُزجاة. وكما قال رسولنا عليه أفضل الصلاة والسلام {نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس؛ الصحة والفراغ}.

لابد أن نتأمل كل يوم في النعم التي أسبغها الله علينا صغيرها قبل كبيرها، قليلها ثم كثيرها؛ ولابد أن نشكره عليها فبالشكر تزيد النعم وهو القائل جل في عُلاه {ولئن شكرتم لأزيدنّكم}.

يجب علينا أن لا ننتظر فقدان النعمة كي نشعر بقيمتها في حياتنا كما حصل مع مراد، وأن نجعل التأمل في نعم الله المتناهية عادة لنا كل يوم، لأن التأمل في تلك النعم بحد ذاته يُعد شكراً لها. وكما يقول محمد الغزالي في كتابه جدد حياتك:

“إن المرء قد يغفل عن النطاق الواسع الذي يجتني منه ما بين يديه من خيرات، ولو دقّق النظر لَرأى المائدة التي أمامه تحفل بألوانٍ شتى من أقطار العالم، رُبما كان يأكل قمحاً من روسيا ولحماً من إفريقيا وفاكهة من أوروبا… ولو رجع مرة أخرى لَرأى الأرض والسماء كلتيهما قد اجتمعتا على خدمته وتيسير حياته.”

علينا دائماً أن نتسلّح بالتأمل في ما حبانا الله من نعمه وجاد علينا من فضله وأن نستشعر قيمة كل شيء في حياتنا مهمّاً كان أو سخيفاً من قبل أن نفقده ونردد بحسرة كما ردد الأول…”وينك يا مراد؟!”

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: