نحن أمة لا تـ …

أجزم بأن عقلك أكمل لك العبارة بِكلمة “تقرأ” لا لشيء ولكن لأن تلك العبارة – نحن أمة لا تقرأ – أصبحت مشهورة إلى أن صارت تملي نفسها على كل من يقرأ بدايتها أو جزءاً منها. ولكن كان لِشغفي للقراءة وحبي لِاقتناء الكتب وبحثي المتواصل عن المعلومة رأيٌ آخر في تلك العبارة.

في أول أيام وظيفتي، قررتُ مشاركة زملاء العمل بعضاً من قراءاتي وذلك عندما طبعت لهم مقالاً ووزعته على مكتب كل واحد منهم على حده. كان هدفي من تلك المبادرة إحياء سنة مشاطرة العلم فيما بيننا لاسيما وأن التقنية اليوم سهلت لنا كل السبل لبناء قاعدة معرفية مشتركة لا حدود لها. وكانت ردة فعل أغلب الزملاء مثيرة للدهشة، مررتُ على مكاتبهم في نهاية اليوم فوجدتُ نسخة في سلة المهملات والأخرى على الأرض وأختها تائهة بين الأوراق المتكدسة على مكتب أحدهم. حينها أردتُ التأكد وقطع الشك باليقين، فَسألتُ بعضهم عن رأيهم في المقالة؛ فأجاب الأول: “قرأت أول كلمتين بعدين رميتها” وأضاف الثاني: “ما شدّني العنوان” وزاد الثالث: “أصلاً أنا ما أقرأ وأنا فاضي عشان أقرأ وقت الدوام.”

كانت إجاباتهم تنهال عليّ مثل الصاعقة بعد الأخرى لِمعرفتي بأن ذلك المقال لن يستغرق من وقتهم أكثر من ثلاث دقائق. استسلمتُ على غير عادتي وانسحبتُ من السنّة التي عزمتُ على إحيائها واكتفيتُ بقراءة المقالات لنفسي. وفي تلك اللحظة، قررتُ تغيير تلك العبارة من “نحن أمة لا تقرأ” إلى الاستنتاج الذي توصلت إليه من واقع تلك التجربة “نحن أمة لا تـتأمّل.”

تفكر قليلاً معي، ألا تلاحظ بأنك لن تقرأ شيئاً إلا إذا كان سبباً ومنبعاً في تأملّك؟ كالرواية الجميلة أو التجربة الناجحة أو النصيحة الملهمة؟ فلو أننا أمة تحب التأمل، لكنا أمة تعشق القراءة ولما تركتْ شيئاً في يدها إلا قرأتْه وعرفتْه وأتقنتْه.

ولو كان للتأمل نصيب من حبنا، لكان القرآن ربيع قلوبنا ولقرأناه كل يوم، ولعلمنا بأن تلك النعمة التي رزقنا الله بها من مطعم ومشرب وملبس ومسكن قابلة للزوال ما دمنا غافلين عنها غير مبالين بها. فمن يرى تعاملنا مع تلك النعم من رمي لطعامٍ يكفي العشرات، وتفاخرنا بها وكأنها من صنع أيدينا لا من أفضال ربنا علينا، سيستنتج لا محالة بأننا أمة لم تتأمّل عقوبة الله بالأمم السابقة عندما جَحَدت أنعمه عليها بالزوال. كل شيء حولنا ينتظر منا تأمله، فما دمنا لا نتأمّله، فهو غير موجود.

وما إن بدأتُ بكتابة هذه الخاطرة، إلا وقد استذكرتُ ما قال لبيد بن ربيعة:

تأملْ سطورَ الكائناتِ فإنها … من الملأ الأعلى إليكَ رسائلُ

وقد خُطّ فيها لو تأملتَ سطرها … ألا كل شيءٍ ما خلا الله باطلُ

نحن أمة تحتاج إلى التأمل؛ فِإذا تأمّلنا قرأنا، وإذا قرأنا تسيّدنا.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: