قرية الورد

رحّال يعشق الترحال، قضى عمره كله يتنقّل من بلدة إلى جارتها مستمتعاً بكل لحظة يعيشها هنا وهناك ومتلذذًا بكل تجاربه فيها. وفي أثناء رحلته من بلدة إلى أخرى، طال عليه المسير، وبدت عليه علامات التعب والإرهاق؛ وكان حينها قد رأى منازلاً على جانب الطريق وكان على أبوابها ونوافذها وروداً وأزهارا. انشرح صدر صاحبنا وابتسم بلا إدراك من روعة المنظر، وما أن ابتسم إلا وقد أصابته موجة استغراب وإعجاب، كيف لهذه القرية أن تكون مليئة بالورود والأزهار وغيرها من البلدان لا يُرى فيها حتى ذبول زهرة؟

قرّر وبلا هوادة وبشغف الرحال الذي وجد داراً لا يمكن له نسيانها أن يقطن فيها ما شاء الله؛ وما إن دخل عتبة القرية إلا وبذلك الرجل المبتسم يستقبله ويهدي له وردة ويقول “مرحباً بك يا سيدي في قريتك، قرية الورد.” زادتا دهشة وإعجاب رحالنا بتلك القرية وتبادر إلى ذهنه سؤال لم يتهاون في إدلائه على ذلك الرجل فقال “من أين لك هذا؟ وكيف لكل منازلكم أن تكون متزينة بتلك الزهور؟” ابتسم الرجل ثم أخذ وردة من نافذة إحدى المنازل وأعطاها إياه واكتفى بقول “استمتع بالأولى، وأما الثانية فأعطها أول شخص تراه لكي يستمتع بها” ثم أدار وجهه المبتسم مغادراً المكان حتى اختفى أثره عن أنظار الرحال التي لم تسعها مفارقة ذلك الرجل من شدة غرابة الموقف.

وما إن فارقتْ أنظاره ذلك الرجل حتى سقطتْ عشقاً في وردته وانشغلتْ بِجمالها؛ ووضع الأخرى في جيبه إلى أن يلاقي أول شخص في الطريق. التفت يميناً فوجد امرأتان يتهادان الورد، ثم التفت يساراً فوجد عجوزاً يتوكأ عصاه ينحني لِيعطي طفلاً زهرة في قمة نضجها وروعتها؛ وعندها احتار ولم يجد شخصاً واحداً يمكن أن يعطيه ما في جيبه. يأس الرحال من إيجاد شخص بلا وردة فكلهم ممتلؤون ومكتفون وكان حينها قد أُنهك من كثرة الترحال فاختار أن يهديها لأحد المارة غداً علّه أن يكون له نصيب.

نام وبجانبه الوردتان، الأولى نائمة على كفه والأخرى وحيدة تتلهف لِكفّ صاحبها المـُـنتظَر. وعندما أشرقت الشمس، انزعج من أصوات الناس من حوله وقد بدأوا بالازدياد لحظة بعد لحظة ولم يستطع إكمال نومه. قام الرحال وهو غضبان ولكن سرعان ما اندثر ذلك الغضب في أرض النسيان بعد أن رأى ما لم تره عيناه طوال سنين عمره وفي كل رحلاته.

رأى بأن الناس قد اصطفّت صفاً لا نهاية له. تعجب وكاد أن ينسى وردتيه، أخذهما على عجالة ثم أخذ يمشي مسرعاً ومتلهّفاً وبفضول لمعرفة ما قد اصطفّ الناس له. اتجه إلى رأس الصف وهو في الطريق كان يسأل كل من يراه “ماذا تنتظرون؟ لماذا كل هذه الجلبة؟” فقالوا له “تعال، تعال واصطفّ معنا، إنه ورّاد ألا تعرفه؟!” كانت علامات الاستفهام تزداد مع كل خطوة يخطوها ولكنه أكمل المسير حتى وصل إلى رأس الصف وعندها كانت المفاجأة الكبرى، رأى بستاناً ليس له نهاية وقد رسمتْ فيه الورود والأزهار لوحة إلهية لا يضاهيها إبداع رسام أو ريشة فنان. وكان في بداية ذلك البستان صاحبها الذي يقف كل صباح عند البوابة واسمه “ورّاد.” كان يعطي أهل القرية من ورد بستانه بلا حساب أو أجر. كان يعطيهم لأنه يعلم بأن الوردة المقطوفة من الأرض يمكن لها أن تنبت من جديد، ولكن تلك التي تُغرس في قلوب الناس لا تعرف معنىً لِلذبول. ولذلك أطلق أهل القرية عليها “قرية الورد.”

بستان قلبك مليء، فعندما تتصدق على المحتاج فقد أهديته وردة من بستانك، وعندما تبتسم لِمن حولك فقد زرعت فيهم زهرة، وأنك إذا كفلت يتيماً فقد غرست في قلبه ورداً لا يذبل. ليس لنا في هذه الحياة إلا ذلك البستان، فإما أن نغلق أبوابه فتموت الورود والأزهار فيه ونحن لها ناظرين؛ وإما أن نكون مثل ورّاد، نهدي كل من حولنا وروداً من العطاء حتى يصطفّ الناس حول قلوبنا تماماً كما كان الحال في قرية الورد. كن ورّاداً واصنع من محيطك قرية ورود.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

المدونة على ووردبريس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: